الأحد. نوفمبر 30th, 2025

يبرز دور جو شلّيطا، مستشار الأزياء والمصمّم والمؤرّخ الثقافي اللبناني، ومؤسس منصة “تاريخ الموضة اللبنانية”، والذي يرى أن ضياع الصلة مع الحرف التراثية لا يعني فقدان جماليات الماضي فحسب؛ بل يهدد بكسر خط الزمن الثقافي نفسه

انطلق المشروع بفيلم قصير صُوّر داخل قصر مير أمين في بيت الدين، الذي يعد أحد أهم معالم القرن التاسع عشر في جبل لبنان. بالتعاون مع منصة “أرابيان مودا” الباريسية الداعمة للمواهب العربية، وجد شلّيطا في القصر أكثر من مجرد موقع تصوير: وجد نقطة ارتكاز تاريخية ملهمة لإعادة رسم ملامح الماضي بأسلوب بصري معاصر.

ومن هناك، تحوّل عمله إلى ما يشبه “علم الآثار الملبسية”. يروي شلّيطا: “انغمست في أرشيفات الصور القديمة، ومقتنيات المتاحف، وروايات العائلات التي احتفظت بملابس الأجداد كامتداد لهويتها”. ومع مرور الوقت، اتسع المشروع ليشمل تعاونًا مع حرفيين ما زالوا يتقنون تقنيات النسيج والصباغة والتطريز التقليدية. “لقد تعاونا في استخراج المواد الأصلية، ثم أعدنا قراءتها بلغة تناسب العين المعاصرة.”

وبالتالي، لا يستعيد مشروع “تاريخ الأزياء اللبنانية” قطعًا من أزياء الماضي فحسب، بل يعيد بناء الذاكرة النفسية للأزياء — تلك التي تحمل داخل طياتها تاريخ المكان، وحكايات الناس، وصوت الحرفة قبل أن تبتلعها الحداثة..

نشأ شلّيطا، المحامي الذي تحوّل إلى مصمّم، في سيدني بأستراليا، قبل أن يصقل خبرته في عالم الأزياء الراقية عبر العمل إلى جانب الفريق الإبداعي لإيلي صعب عام 2007 وفي بيروت لاحقًا، ليؤسس علامته الخاصة عام 2009. في هذا المشروع، جمع بين معرفته بالحرفية الراقية وبحثه في التراث وتقاليد النسيج الشامي، مستعيدًا تقنيات تطريز قديمة مثل طرق الخيط المعدني المسطح الذي كان يزيّن ملابس النبلاء، إلى جانب المخمل والديباج والحرير. تحوّلت المجموعة بذلك إلى تحية جمالية وجهد واعٍ لصون ما تبقّى من هذه الحرف.

أما انعكاس المشروع على عالم الموضة اليوم، فيراه شلّيطا امتدادًا لدور لبنان التاريخي. يقول: “لطالما عكست ملابسنا مكانة البلاد التي كانت تعد مفترق طرق للتجارة والتبادل الثقافي، وتأثرت بإرث فينيقي قائم على الحرفية والانفتاح. تعكس أزياؤنا رواية شعب ذي نظرة عالمية استوعب التأثيرات التي مرّت به وترك أثره حيثما حلّ”.

ويرى شلّيطا أن إحياء اللباس التقليدي لا يكتفي بإعادة سرد الماضي، بل يقدّم درسًا حيويًا لصناعة الأزياء الحديثة. “الأزياء التقليدية اللبنانية تذكّرنا بما تغفله الصناعة أحيانًا: الأصالة، والغرض، والحرفية التي تنبض بالعاطفة. من حرير الجبل إلى الخيوط الفضية، تجسّد تقاليدنا فنًّا قاوم الزمن، وتأثيره يتجاوز حدود لبنان”.

شهدت جلسة التصوير إعادة ولادة رمزية لقطع طُويت صفحتها منذ زمن: الطنطور، غطاء الرأس الفضي المخروطي الذي ارتدته أميرات القرن التاسع عشر؛ والقبقاب الخشبي المرصّع باللؤلؤ، أحد مظاهر الرفاه في قصور النبلاء وحمّاماتهن.