ظلّ توقيت إقامة بطولة كأس الأمم الأفريقية مصدرًا للجدل بين الاتحاد الأفريقي لكرة القدم من جهة، والأندية الأوروبية واللاعبين الدوليين من جهة أخرى. فالعادة التاريخية للبطولة كانت أن تُقام في شهري يناير وفبراير وهو توقيت يتعارض مباشرة مع ذروة الموسم في الدوريات الأوروبية الكبرى. ومع ازدياد أعداد اللاعبين الأفارقة المحترفين في أوروبا، تحوّل هذا التعارض إلى أزمة متكررة تؤثر على جاهزية الأندية وعلى الحالة البدنية للاعبين أنفسهم.
في عام 2017 حاول الكاف معالجة هذا الخلاف عندما قرر نقل نسخة 2019 إلى شهري يونيو ويوليو لأول مرة، واستقبلت الأندية الأوروبية هذه الخطوة بترحيب واضح لأنها تمنحها فرصة الحفاظ على لاعبيها خلال الموسم. ولكن سرعان ما تبيّن أن هذا الحل غير قابل للتطبيق في كل الدول المضيفة، إذ تُعد درجات الحرارة المرتفعة في الصيف عائقًا كبيرًا أمام إقامة البطولة في بعض مناطق القارة، ما دفع الكاف إلى العودة من جديد إلى جدول الشتاء في نسخ لاحقة.
وازدادت الأزمة تعقيدًا حين أعلن الكاف إقامة نسخة القادمة بين 21 ديسمبر 2025 و18 يناير 2026، في توقيت يتقاطع مع فترة الأعياد وبداية السنة الجديدة، وهي فترة حساسة للغاية للأندية الأوروبية. وجاء القرار بعد ازدحام التقويم الدولي وتعارضه مع بطولات كبرى أخرى مثل كأس العالم للأندية في صيغتها الجديدة.
الجدل حول توقيت البطولة لا يتعلق بالتقويم فحسب، بل يمتد إلى صحة اللاعبين الأفارقة المحترفين في أوروبا الذين يجدون أنفسهم في مواجهة ضغط بدني ونفسي شديد. تقارير نقابة اللاعبين العالمية FIFPRO تشير إلى أن اللاعبين الذين يشاركون في البطولة وسط الموسم يتعرضون لمعدلات إرهاق مرتفعة بسبب السفر الطويل والتغير المناخي الواضح بين أوروبا وأفريقيا، ما يؤدي غالبًا إلى انخفاض أدائهم عند العودة إلى أنديتهم.
وبحسب دراسة أكاديمية نشرتها arXiv في نوفمبر/ تشرين الأول من عام 2022، تبين أن هناك انخفاضًا في وقت اللعب للاعبين الذين شاركوا في بطولة الأمم الأفريقية بعد رجوعهم لأنديتهم، إذ وجدت الدراسة انخفاضًا بنحو 3.3% في عدد المباريات و3.1% في عدد الدقائق للاعبين عبر مواسم معينة، وذلك بسبب الحاجة إلى استعادة اللياقة أو نتيجة تعرضهم لإصابات إجهادية.
الأندية الأوروبية ترى أن خسارة لاعبين أساسيين لمدة تصل إلى ستة أسابيع في منتصف الموسم تمثل تهديدًا لطموحاتها المحلية والقارية، وهو ما عبّر عنه مدربون كبار مثل الألماني يورجن كلوب سابقًا، حين وصف نقل البطولة إلى يناير/ كانون الثاني بأنه “كارثة” بالنسبة لنادي ليفربول ، لأنه سيخسر لاعبين مثل محمد صلاح وساديو ماني لنحو ستة أسابيع تقريبًا خلال موسم الدوري الإنجليزي.
في المقابل، يؤكد الكاف أن الظروف المناخية وازدحام الأجندة العالمية يجعلان إيجاد توقيت بديل مهمة معقدة، وأن البطولة لا يمكن أن تُضغط أو تُنقل بسهولة لأنها حدث ضخم بمشاركة 24 منتخبا وملايين المشجعين.
هذا الوضع دفع كثيرين داخل كرة القدم العالمية إلى المطالبة بإعادة هيكلة التقويم الدولي بالكامل، بما يسمح للبطولات القارية، ومنها كأس الأمم الأفريقية، بالحصول على نافذة زمنية ثابتة تحمي اللاعبين وتقلل من تضارب المصالح بين الأندية والمنتخبات. وهو ما ناقشه تقرير FIFPRO Europe الذي أُصدر بداية هذا العام لدفع المسؤولين غلى الحديث عن آليات لتعويض الأندية ماليًا أو دعم اللاعبين الذين يتعرضون لضغط بدني شديد خلال هذه الفترات.
ومهما كان الحل النهائي، تبدو الحقيقة الثابتة أن كأس الأمم الأفريقية أصبحت في قلب نقاش عالمي حول مستقبل كرة القدم المحترفة، وأن إيجاد صيغة عادلة سيتطلب توازنًا دقيقًا بين هوية البطولة وحقوق اللاعبين ومتطلبات الأندية.
