السبت. ديسمبر 10th, 2022

تواجه الحكومات مفاضلات صعبة وسط ارتفاعات حادة في أسعار الغذاء والوقود. وعلى صناع السياسات حماية الأسر منخفضة الدخل من الخسائر الكبيرة في دخلها الحقيقي وضمان حصولها على الغذاء والطاقة. غير أن عليهم أيضا الحد من مواطن الضعف الناشئة عن الديون العامة الكبيرة، مع الحفاظ على موقف التشديد المالي في مواجهة التضخم المرتفع، حتى لا تعمل سياسة المالية العامة على نحو متعارض مع أهداف السياسة النقدية.

وقد ارتفعت أسعار الغذاء بمقدار النصف منذ عام 2019 واستمرت معاناة أسواق الغذاء والوقود من الانقطاعات في الإمدادات. ويهدد ارتفاع الأسعار مستويات معيشة الناس في كل مكان، مما يدعو الحكومات إلى استحداث تدابير مالية متنوعة، بما في ذلك دعم الأسعار، والتخفيضات الضريبية، والتحويلات النقدية. وتشير تقديراتنا إلى أن التكلفة الوسيطة التي تتحملها المالية العامة لتنفيذ هذه التدابير تبلغ 0,6% من إجمالي الناتج القومي المحلي*، بالإضافة إلى الدعم القائم من الأصل، في البلدان التي توفرت تقديرات بشأنها

وتواجه معظم الحكومات مزيدا من الضغوط على المالية العامة المثقلة بالفعل من جراء الجائحة. فقد أدى تصاعد التضخم، وتراجع أسعار العملات، وتزايد أسعار الفائدة إلى قفزة في فروق العائد في كثير من البلدان وارتفاع مصروفات الفائدة في الفترة المقبلة. ومن المتوقع أن يظل الدين العام العالمي مرتفعا عند مستوى 91% من إجمالي الناتج المحلي في عام 2022 – بعد تراجعه عن المستوى المرتفع التاريخي الذي سجله في عام 2020 – وأعلى من مستوياته قبل الجائحة بنحو 7,5 نقطة مئوية. والبلدان منخفضة الدخل معرضة لمخاطر المديونية على وجه الخصوص: فنحو 60% من أفقر الاقتصادات إما بلغت مستوى المديونية الحرجة أو أصبحت معرضة بشكل كبير لبلوغه.

وإزاء مستويات الدين المرتفعة وتصاعد تكاليف الاقتراض، ينبغي لصناع السياسات إعطاء أولوية للدعم الموجه لأكثر الفئات ضعفا من خلال شبكات الأمان الاجتماعي. وفي بعض البلدان، قد يستتبع ذلك تقديم خصومات للأسر ذات الدخل المتوسط إلى المنخفض على فواتير المرافق (لأغراض الاستخدام الأساسي). ومن الضروري السماح بتعديل أسعار الطاقة للحفاظ على الحوافز الأوسع نطاقا لكبح استخدام الطاقة وزيادة الإمدادات. وفي مواجهة صدمات الإمداد طويلة الأمد والتضخم واسع النطاق، ينبغي ألا تحاول الحكومات تقييد الزيادات السعرية من خلال ضوابط الأسعار أو الدعم أو التخفيضات الضريبية. فمثل هذا الإجراء باهظ التكلفة على الموازنة العامة فضلا عن افتقاره للفعالية في نهاية المطاف. ونظرا للموارد المحدودة، سيحتاج كثير من البلدان منخفضة الدخل إلى جهود عالمية أكبر في شكل مساعدات إنسانية وتمويل طارئ.

وفي وقت يسوده التضخم المرتفع، ينبغي ألا تؤدي السياسات المعنية بمعالجة أسعار الغذاء والطاقة المرتفعة إلى زيادة الطلب الكلي. فضغوط الطلب تضطر البنوك المركزية إلى الاستمرار في رفع أسعار الفائدة بصورة مطردة، مما يزيد من تكلفة خدمة الدين الحكومي. ويرسل تشديد الموقف المالي إشارة قوية تفيد باتخاذ صناع السياسات موقفا موحدا في مكافحة التضخم.

وهناك عدة أدوات مالية ثبتت فائدتها أثناء الجائحة ويمكن إدراجها في مجموعة أدوات أكثر دواما، تبعا لقدرة كل بلد وما يملكه من حيز مالي. فبرامج الحفاظ على الوظائف، على سبيل المثال، أثبتت فعاليتها أثناء الجائحة عن طريق استيعاب أكثر من 40% من خسارة الدخل الفردي في الاتحاد الأوروبي. ويمكن للدعم المالي الاستثنائي للشركات أن يحول دون انتشار حالات الإفلاس. غير أن هذا الدعم ينبغي أن يقتصر على الأزمات الحادة لأنه يعرض الحكومات لمخاطر هائلة على صعيد المالية العامة.

وبشكل أعم، تساعد شبكات الأمان الاجتماعي الناس على التعافي من البطالة أو المرض أو الفقر، مما يجعلهم أكثر صلابة في مواجهة مجموعة واسعة من التحديات. وبمساعدة التكنولوجيا الرقمية، يمكن جعل هذه النظم قابلة للتوسع بسهولة وأفضل استهدافا للمستحقين.

وقد رأينا كيف أدت الأزمات المالية الكبيرة أثناء العقد ونصف العقد الماضيين إلى استجابات مالية مبتكرة وقوية، على خلفية الدين المتزايد والسياسة النقدية المقيدة. وينبغي للبلدان أن تعيد النظر في دور سياسة المالية العامة في حقبة معرضة للصدمات – أي كيف يمكن أن تقي من الخسائر بصورة أفضل أثناء الأزمة وكيف تبني الصلابة في مواجهتها – وأن تتعلم من تجارب البلدان في مختلف أنحاء العالم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *