السبت. مايو 21st, 2022

لطالما أثرت المياه على المكان الذي نعيش فيه. واليوم، ومع تسارع وتيرة أزمة المياه العالمية بسبب تغيّر المناخ، فإن الزيادة المتواصلة في تنقل الناس في مختلف أنحاء العالم تتطلب استجابة مدروسة لتحويل هذه الأزمة إلى فرصة يجب استثمارها.

هناك أكثر من مليار مهاجر في العالم اليوم – ويرتبط نقص المياه بنسبة قدرها 10% من الارتفاع في حركة الهجرة العالمية. ويظهر التقرير الرئيسي للبنك الدولي عن المياه والذي صدر لتوه أن لنقص إمدادات المياه، وليس لوفرتها، الجانب الأكبر من التأثير على حركة الهجرة.

يتألف التقرير الجديد المعنون “بين المد والجزر” من مجلّدين اثنين. يتناول المجلد الأول الصادر بعنوان “المياه والهجرة والتنمية” بالبحث الصلة بين المياه والهجرة، وتداعياتها على التنمية الاقتصادية، مستنداً إلى تحليل لأكبر مجموعة من البيانات تم تجميعها عن الهجرة الداخلية على الإطلاق وتغطي نحو نصف مليار شخص في 64 بلداً خلال الفترة بين عامي 1960 و2015، وللعديد من مجموعات البيانات الوطنية والعالمية التي تم تجميعها لأول مرة. أما المجلد الثاني الذي يحمل عنوان “المياه في ظل الصراع”، فيتناول التفاعل بين ديناميات الصراع والمياه والهجرة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

يشير التقرير بأصابع الاتهام إلى تغيّر المناخ باعتباره أحد العوامل التي تذكي حركة الهجرة بسبب نقص المياه، حيث تقود التقلبات في هطول الأمطار إلى دفع البشر إلى البحث عن فرصٍ وآفاقٍ أفضل في أماكن أخرى، وذلك على وجه الخصوص. ويعاني سبعة عشر بلداً من بلدان العالم التي يعيش بها 25% من سكان العالم بالفعل من ضغوط مائية شديدة، وتشعر بلدان العالم النامية أكثر من غيرها بوطأة التحديات المرتبطة بالمياه، حيث يعيش أكثر من 85% من السكان المتضررين من تقلبات هطول الأمطار في بلدان منخفضة أو متوسطة الدخل.

ولا يعني هذا أن العالم يشهد موجات من “لاجئي المياه” الفقراء الذين يهاجرون هرباً من الجفاف؛ ففي الواقع نجد أن أشدّ الناس فقراً هم الذين يعدمون في الغالب وسائل الهجرة، حتى وإن كان القيام بذلك قد يحسن سبل كسب عيشهم وآفاقهم المستقبلية. ويخلص التقرير إلى أن احتمال نزوح سكان البلدان الفقيرة يقل بواقع أربع مرات عن احتمال نزوح سكان البلدان متوسطة الدخل.

في المناطق المتأثرة بالصراعات، كمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، هناك مستويات أخرى من التعقيد وذلك عندما تكون الصراعات والبطالة من بين القوى الدافعة للهجرة. فالمنطقة تُعد أكثر مناطق العالم شحاً في المياه، لكن المياه غالباً ما تكون ضحية للصراعات وليست سبباً للهجرة. وغالباً ما تُستهدف مرافق البنية التحتية للمياه أثناء الصراعات، مما يحرم مئات الآلاف من البشر من هذا المورد الأساسي للحياة.

غير أن مخاطر الصراع المباشر على المياه في المنطقة ليس شائعاً كما يتوقع البعض. في الواقع، أدى شح المياه على مر التاريخ إلى التعاون أكثر منه إلى الصراع. ومن بين 975 واقعة متصلة بالمياه في أحواض الأنهار الدولية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وحدثت بين عامي 1948 و2008، اتسم 56% منها بطابع التعاون و37% بطابع الصراع وكان 8% منها محايداً. ومن الملاحظ في ضوء عدد الصراعات المسلحة في المنطقة خلال تلك الفترة أن القضايا المتعلقة بالمياه تؤدي في العادة إلى التعاون.

ومن الضروري الحفاظ على هذا النهج التعاوني وتدعيمه مع اشتداد وطأة الآثار الناجمة عن تغير المناخ، حيث تؤدي الصدمات المناخية حتماً إلى تفاقم أوجه الضعف والتوترات بشأن الموارد المائية.

على المستوى العالمي، فإن آثار الهجرة تكون أشدّ وطأة في المدن التي تضم الآن 55% من سكان العالم. ومن الضروري أن تنظر المدن في تداعيات نمو سكانها على صعيد السياسات – وليس فقط عدد المهاجرين الذين يصلوا إليها، بل أيضاً رأس المال البشري الذي يجلبونه معهم. فعادة ما يكون العمال المهاجرون، الذين يغادرون مناطق تنخفض فيها معدلات هطول الأمطار ويزداد تكرار صدمات الجفاف، من ذوي المستويات التعليمية والمهارات المتدنية مقارنة بغيرهم من العمال المهاجرين، وهو ما يعني ضمناً تدني مستويات الأجور وقلة فرص الحصول على الخدمات الأساسية في بلدان المقصد.

ونظراً لأن تغيّر المناخ وتدفق أعداد كبيرة من السكان الجدد يفرضان ضغوطاً متزايدة على مرافق البنية التحتية الحالية للمياه التي غالباً ما تفتقر إلى الكفاءة، فإن العديد من المدن معرض لخطر بلوغ “اليوم الصفري” عندما تجف الموارد المائية تماماً. وتُعد السياسات والبنية التحتية اللازمة لبناء القدرة على الصمود في وجه التغيرات المائية باهظة التكلفة، لكن تكلفة الجفاف تفوق ذلك بكثير، مما قد يحد من معدل النمو الاقتصادي لأي مدينة بنسبة قد تصل إلى 12%

من الضروري العمل على حماية الناس وسبل كسب العيش والموارد. ويمكن لمجموعة واسعة من السياسات المكملة أن تحول الأزمات الناجمة عن المياه إلى فرص يجب استثمارها. وينوه التقرير إلى أنه سيتعين على واضعي السياسات، لاسيما في المناطق المتأثرة بالصراعات مثل منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، إجراء مفاضلات بين التدابير قصيرة الأجل غير المنسقة اللازمة لتلبية الاحتياجات المائية الفورية، والتدابير طويلة الأجل اللازمة لمعالجة القضايا الهيكلية المرتبطة بالمياه.

وفي المدن والمناطق الريفية على حد سواء، هناك حاجة ملحة لبناء القدرة على التكيف مع التغيرات المائية. ومن شأن الاستثمارات التي تركز على البشر في شبكات الأمان المالي، والأصول المنقولة مثل التعليم، وإمدادات المياه والصرف الصحي، والرعاية الصحية، والإسكان الآمن للمهاجرين الفقراء أن تساعد في حماية الناس من الصدمات الشديدة المرتبطة بالمياه. كما تستطيع المدن تنفيذ ممارسات أفضل لإدارة الموارد المائية، مثل خفض الطلب على المياه، وإعادة تدوير المياه المستعملة، وتجميع مياه الأمطار، وإعادة تصميم المناطق الحضرية بحيث تشبه الإسفنج الذي يمتص المياه ويخزنها تحت الأرض.

وفي الوقت نفسه، من الضروري أيضاً حماية سبل كسب العيش في المناطق التي يهاجر الناس بعيداً عنها. وستستفيد هذه المجتمعات المحلية المعرضة للصدمات من أساليب الزراعة المراعية للظروف المناخية، ونظم الري التي يديرها المزارعون، والبنية التحتية الخضراء المراعية للبيئة للحماية من تقلبات المياه وشحها. وينبغي استكمال التدابير قصيرة الأجل للحد من تأثير صدمات المياه باستراتيجيات أطول أجلاً لتوسيع نطاق الفرص وبناء القدرة على الصمود في هذه المجتمعات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.